حق العودة إلى مخيمات الشتات !!
كتبهاعبد الحق بوقلقول ، في 10 يونيو 2007 الساعة: 22:09 م
لا يختلف اثنان أن الوضعية في لبنان ازدادت تأزما و توشك أن تتحول إلى مأزق أمني ينذر بكل الاحتمالات إذ في الوقت الذي تتحرك قوات الجيش هناك لأجل استكمال تطويق مسلحي تنظيم "فتح الإسلام" في مخيم نهر البارد شمالا حيث يصر هؤلاء الأخيرون على رفض الرضوخ و يبدون استعدادهم الكامل لمواصلة المواجهة حتى تنفذ آخر رصاصاتهم على الأقل، انفرط العقد جنوبا و اشتعلت جبهة أخرى لا تقل أهمية عن الأولى في محيط مخيم عين الحلوة القريب من مدينة صيدا كبرى مدن الجنوب و بطريقة تثير عددا غير قليل من الأسئلة أقلها عن هذا التزامن الغريب في التحرك ضد الجيش إذ من المستبعد عقلا و غير الممكن عمليا، أن تضطرب الجبهة الداخلية هكذا كيفما اتفق في بلد يخضع فيه كل شيء لحسابات دقيقة و توازنات شديدة الحساسية.
صحيح أن الأزمة الأخيرة مع ما يسمى بتنظيم "جند الشام" قد هدأت مع تاريخ كتابة هذه الأسطر إلا أنه لا شيء يضمن بقاء الوضع على حاله على الرغم مما قيل عن توافق داخلي بين الفصائل في هذا المخيم الأخير لأجل تطويق أي تحرك مستقبلي قد يقدم عليه هذا الفصيل الذي يسميه بعض اللبنانيين وفقا لما نقله الصحفي الأميركي فرانكلين لامب الذي دخل مخيم نهر البارد مختفيا وسط أفراد هيئة غوث اللاجئين، تنظيم "جند الست" تيمنا بالنائب بهية الحريري شقيقة رئيس الوزراء المغتال رفيق الحريري، لأن كثيرين داخل لبنان و خارجه يؤكدون أن أفراد هذا الفصيل المحسوب على القاعدة فكرا و سلوكا، يتلقون أجورهم مباشرة من قبل هذه السياسية بدعوى الاستعداد لما قد تخبئه الأيام فلا شيء يمنع و الحال كذلك، أن تندلع مستقبلا فتنة مذهبية بين السنة و الشيعة هناك خصوصا و أن كل شيء مهيأ و معد لتكون حربا حقيقية في المقدور إشعالها و من غير الممكن وقفها بمعنى أن حطبها سيكون من المسلمين تمهيدا لإشعال المنطقة برمتها حتى التوصل إلى إعادة صياغة الشرق الأوسط الجديد بالطريقة التي يريدها تجار الحرب في واشنطن و هذا ليس سرا على أحد و لا يبذل الأميركيون أنفسهم أي جهد في سبيل إخفائه فمن المعروف أيضا أن المنطقة رسمت وفقا لتلك الاتفاقية التي وقّعها في لندن خلال العام 1916، كل من الدبلوماسي البريطاني السير مارك سايكس مع المسيو فرانسوا جورج بيكو الدبلوماسي الفرنسي و هي الاتفاقية التي لم يسمع العرب بها إلا بعد أن انهارت دولة القياصرة في روسيا على يد البلاشفة الشيوعيين بمعنى أنه لا شيء يمنع حاليا أن تكون هنالك اتفاقية دولية من هذا النوع ربما لن نسمع بها حتى نراها واقعا ملموسا أو أن تسقط دولة عظمى أخرى و إن كان هذا الاحتمال الأخير مستبعدا.
من الواضح إذا أن المقصود من العملية برمتها هو تحقيق معطيات جديدة على الأرض و لاحظوا أنها تقع ‘صدفة’ عشية الذكرى الأربعين لهزيمة الجيوش العربية في 1967 و بالتزامن مع تجدد الحديث عن مبادرة السلام و التطبيع مع الاحتلال الإسرائيلي و لا يجب أن يفوتنا هنا أن موضوع اللاجئين في الشتات الفلسطيني هو الملف الذي تكسرت عنده كل محاولات إنهاء هذا الصراع و لن نكشف سرا هنا حينما نقول أن الرئيس عرفات قد تمت تصفيته لهذا السبب تحديدا فهو الذي رفض في العام 1998 التنازل عن هذا الحق مما جر عليه حصارا و تضييقا ثم تصفية في وضح النهار باركها الرئيس بوش قبل ذلك بإعلانه صراحة: "لا بد من تغيير القيادة الفلسطينية الحالية بأخرى قادرة على صنع السلام" و تعرفون كلكم أن السلام و الاستسلام في القاموس الأميركي هما كلمتان مترادفتان !!
بالتالي فإن اللاجئين الفلسطينيين حاليا هم المطالبون بتسديد الثمن و بشكل يعيد لدى اللبنانيين أو بعضهم على الأقل، إحياء مشاعر الكره الدفينة ضد هؤلاء إذ أن ذات هذه ‘المشاعر’ كانت الشرارة الأساس في اندلاع الحرب الأهلية خلال العام 1975 و هذا بالضبط ما يعرفه الفلسطينيون بدليل أن عددا كبيرا من الذين يسكنون مخيم نهر البارد فضلوا البقاء هناك خلال تلك الهدنة ‘الإنسانية’ ليسا حبا في مجاورة مسلحي فتح الإسلام و إنما، حرصا على التشبث بالأرض لأنهم ببساطة يعرفون أن خروجهم من هناك قد يكون الخروج الأخير فهم أصلا و حتى بعد أكثر من خمسين سنة من إقامتهم بلبنان و باقي مخيمات الشتات عبر المنطقة، ما زالوا يعتبرون مواطنين من الدرجة الثالثة لأن الدرجة الأولى هي صفة لا يحظى بها إلا القليلون في أوطاننا من المحيط إلى الخليج.
ثم إن مما يزيد الأوضاع سوءً، هذه التطورات السياسية الخطيرة في لبنان فعلى الرغم من أن الحكومة هناك ما زالت تعتبر ‘نجاحها’ في إقرار محكمة الحريري نصرا إلا أن الواقع لا يجزم بذلك لأن هذه المحكمة بغض النظر عن أي شيء آخر، سوف تكون سببا إضافيا في تعميق الخلافات بين الأفرقاء إذ حينما يرى النائب سعد الحريري في القرار الأممي 1757، انجازا وطنيا و ليس ‘نصرا لفريق ضد آخر’ فإن الأمر ليس على هذا القدر من اليسر لدى الباقين فالمحكمة زيادة على أنها قرار أممي غير مسبوق، تعني أيضا أن مجلس الأمن قد قرر مناصرة فريق ضد آخر أو بمعنى أوضح: إن كل من يعارض الحريري في لبنان مهدد بمواجهة مجلس الأمن رأسا لأن الفصل السابع لمن لا يعرفه يجيز لما يسمى مجازا "المجموعة الدولية" حق استخدام القوة لأجل تنفيذ القرارات.
يقودنا هذا إلى التساؤل هنا: هل من الممكن توقع أن يلجأ فريق الموالاة بعد ذلك إلى الطلب من ‘المجموعة الدولية’ بضرب كل معارض و رافض لهذا القرار؟ صحيح أن أمر السيادة في بلداننا العربية ما يزال ذا مفهوم سَديمي مبهم و لكن هذا لا ينفي أيضا أن حكومة السنيورة الحالية تكفلت و بملء إرادتها، بمهمة وضع البلد كله تحت الوصاية الدولية اللهم إلا إذا كنتم تصدقون حقا أن أميركا و فرنسا مثلا صادقتان في البحث عن تحقيق الاستقرار و العدالة في لبنان و هما الفاشلتان كلتيهما، عن تحقيق ذلك في عقر داريهما و تذكروا هنا ما يجري في مدن الصفيح الباريسية أو في معتقل غوانتانامو الأميركي !!
و لكيلا نبتعد كثيرا عن الموضوع فإن ما يجري في لبنان علاوة على أنه يرهن مستقبل هذا البلد العربي و يجعله محل شد و جذب بين العواصم و السفارات في بيروت، مؤشر جديد و إضافي على أن الأمر أيضا يسير في غير صالح القضية الفلسطينية و حق عودة اللاجئين فمن القطعي مع هذه الأحداث و المواجهات أن إسرائيل سوف تتحرك إعلاميا و دبلوماسيا لأجل نشر مزيد من المغالطات في الذهن الغربي من خلال الخلط بين هؤلاء اللاجئين و بين أولئك المسلحين الذين لا يعدون أن يكونوا، مهما بلغت قوة رشاشاتهم و بنادقهم، حالة طارئة لم تعرفها المخيمات من قبل و كلكم تعرفون كيف يجري الربط حاليا بين الإسلام و الإرهاب لدى منابر الإعلام الغربي كما فعلت محطة فوكس نيوز الإخبارية مثلا التي يملكها الملياردير اليهودي روبرت ميردوخ حين تكفلت بشرح ‘حكمة و صوابية’ وجهة النظر الإسرائيلية فيما يتعلق بمسألة عودة اللاجئين و بشكل لا ينقص معه إلا أن تضيف ناصحة في الختام، بأن يجري تطويق تلك المخيمات برمتها، بالأسيجة و الجدران حتى تصير كمخيم دلتا في خليج غوانتانامو مثلا.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج | دوّن الإدراج

























