أنا ملتحي… إذن: أنا إرهابي!!

كتبهاعبد الحق بوقلقول ، في 24 أغسطس 2007 الساعة: 09:00 ص

لا يختلف اثنان أننا نعيش عصر ثورة العلم و هو عصر لم تعد فيه معايير المكان و الزمان مهمة كثيرا فالواحد منا يستطيع أن يعيش في مكان و يعمل في آخر و يتواصل مع عشرات الناس من كل لون و عرق عبر بلاد الدنيا فيقرأ خطابات الرئيس بوش و يزور البيت الأبيض و أروقته تماما مثلما أنه يستطيع في ذات الوقت أن يسافر عبر كهوف تورا بورا و أدغال الفلبين …. كل هذا و هو مرتاح في مكانه فلا يتطلب الأمر منه إلا جهاز حاسوب و خدمة انترنت و أخيرا، أصبعا وحيدة من بين العشرة !!!
إنه عصر الفضاءات المفتوحة و انقلاب مفاهيم المسافة فلا وجود للعزلة ولا معنى للانطواء و الجهل لأن كل واحد منا في وسعه أن يقرأ ما تكتبه الصحف الأميركية مثلا حتى قبل أن يستيقظ الأميركان و يطالع تحاليل كبار الكتاب البريطانيين قبل أن تخترق أولى خيوط الفجر ليل مدينة لندن. ثم إن هذا ليس كل ما في الأمر لأن عالم اليوم يبيح لك ما لم يحلم به أسلافك، بل ما لم يحلم به أغلبنا حتى سنوات قليلة فالكرة الأرضية كلها منشورة أمامنا و طويت مسافاتها و لا يتطلب أمر الحصول على المعرفة أي جهد و إنني و أنا بصدد كتابة هذا الكلام، أقرأ أن محرك البحث ‘جوجل’ قد أطلق منذ هذا الأربعاء الأخير، خدمة الرصد الفضائي عبر خدمة ‘جوجل الأرض’ بمعنى أن كل واحد حاليا يستطيع أن يراقب النجوم و المجرات عبر حاسوبه دونما حاجة إلى امتلاك التلسكوب .. بالتالي فإنه ليس في وسعنا حاليا أن نتدثر بصعوبة الوصول إلى المعلومة و معاهد البحث و مخابر الفكر لأن كل شخص من عالمنا يملك بريدا إلكترونيا وأنت تستطيع أن تتواصل مع كل باحث و عالم ثم تتلقى الجواب منه في ساعات قليلة مذيلا بكل عبارات الأسف و الاعتذار عن التأخر في الرد عليك !!
هي إذن حالة عالمية لا تعترف بالحدود و لا تتوقف عند فارق التوقيت و لا شك أن أكثركم يعرف على الأقل، شخصا يتابع دروسا عن بعد و يجري اختبارات افتراضية قد تجعل منه في فترة وجيزة، اسما بارزا و علما جهبذا يحمل شهادات من كامبريدج و أكسفورد و هارفارد، دونما أن يضطر إلى الخروج من قريته أو اللجوء إلى استجداء تدخل أصحاب ‘المقام العالي’ أو دفع ما تيسر من "البقشيش".. لقد انتهى ذلك الزمن الرديء/الجميل الذي كنا نلجأ فيه إلى سلوك كل فج لأجل الوصول إلى حقوقنا فضلا عن الكماليات و الأبهة !
و لكن مهلا، ما يزال عالمنا رغم كل ما سبق، حافلا بمكنونات الماضي و معالم الأزمنة الغابرة فإذا ما كنتم سمعتم قبل اليوم أن الطب قد بلغ درجات جد متقدمة على طريق الجراحة أو أن الهندسة الوراثية قد تمكنت من تحقيق فكرة استنساخ الأجساد بعد أن كانت كلمة ‘الاستنساخ’ و لقرون طويلة حكرا على عالم الأرواح و كتب الشعوذة و السحر، فإنني أنصحكم هنا بالتريث و عدم العجلة لأن الواقع مع ذلك، فيه بعض من أدران الماضي و لا شك أن الكل قد قرأ مؤخرا خبر إصرار وزارة الداخلية الجزائرية على التميز عن بقية بلاد الله حينما روجت مصالحها تعليمة تحظر على الناس إعفاء اللحية أو ارتداء الخمار في صور بطاقات الهوية !!
لست متأكدا و لكنني أعتقد شخصيا أن الجزائر هي آخر دولة تفكر بهذا الشكل لأن غيرها صار يعيش واقعا، عصر الحكومات الافتراضية و تجاوز سياسة ‘التثبت’ من الخصائص الشكلية للأفراد إلى درجة ‘المواطنة’ و الحرية و ما بعد الحداثة بما أن مصطلح الليبرالية على فكرة، بات وصفا متجاوزا حتى لا يغرنكم كثيرا المتبجحون بهذا الشعار !!
لقد بلغت الجراحة التجميلية حدودا غير مسبوقة بل إن الطب صار قادرا على تغيير الجنس –بغض النظر عن موقف الشرع من هذا- و هذا يعني أن كل واحد في مقدوره، علميا، أن يصير بنتا أو ولدا حسب الطلب فليست المشكلة حاليا تتوقف عند حدود لون الشعر أو حجم الشفتين و ما إلى ذلك مثلما كان مطروحا، بل إنها غاصت أعمق من هذا حيث صار الوجه و ملامحه خاضعا للرغبة و لقد شاهدت بأم عيني شريطا وثائقيا حول الموضوع على إحدى القنوات الفرنسية لعيادة جراحية باريسية تقدم لزبائنها ‘كتالوجات’ تعينهم على اختيار وجوههم مستقبلا بما في ذلك من شكل للأنف و العين و الأذن و هلم جرا…
ملخص الكلام أن جناب وزيرنا للداخلية حينما يصر على فرض حلق اللحية أو نزع الخمار، فإن هذا يعني أن الأمر لا يقبل غير تفسيرين لا ثالث لهما: فإما أن صاحبنا لم يسمع بعد بهذا ‘التسونامي’ العلمي و هذا عيب ‘تكنوقراطي’ لا يجوز لمن هم في مستواه و مرتبته جهله، و إما أنه ذو موقف مبدئي من اللحية و الخمار لا علاقة له بالتفسيرات الأمنية و هذا أيضا، أمر غير لائق بوزير في دولة تدين الغالبية الساحقة من أبنائها بالإسلام !
في وسع ‘معاليه’ أن يسأل ليعلم أن رجالات الشرطة في باقي الدول و أفراد مكاتب التحقيقات عبر العالم باتوا حاليا يسلكون طرقا أخرى بقصد التأكد من هويات الناس فهنالك، زيادة على بصمات الأصابع، الخريطة الجينية أو حتى البصمة الصوتية و بالتالي فإنه سيكون من الأفضل للجزائر و على أمل مواكبة هذه الألفية، اللجوء إلى تطوير وسائل التقصي و الضبط بدل التمسك بمعايير يفترض أن الزمن قد عفا عنها !
ختاما و حتى لا نترك الحبل على الغارب، و بما أننا متأكدون من أن ‘سيادته’ مسلم أبا عن جد و هو مع ذلك أيضا، واحد من قدامى ثوار حرب التحرير و لذلك فإن الغيرة عليه و على سمعة بلدنا، تجبرنا على أن نرجو منه إعادة النظر في هذه المسألة لأن وكالات الأخبار العالمية حينما تناقلت النبأ، لم تفعل ذلك من باب الاستحسان و الإعلام بل إنها ما نقلته إلا تعبيرا عن السخرية و الاستغراب.
يا معالي الوزير: رجاءً، لا تجبرنا على حلق كل ما بقي علينا من ملامح رجولة !!

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  

تعليق واحد على “أنا ملتحي… إذن: أنا إرهابي!!”

  1. يا أخي ينصر دينك و بالمناسبة ينصر دين الأخ الذي عرض علينا الخبر في مكتوب و نشر معه صورة رئيس الحكومة الملتحي منبها بذلك لتناقض الهيئهات الرسمية في بلادنا و عدم انسجامها مع نفسها أو ربما استهتارها بمواطنيها .

    شكرا مرة أخرى و تمنياتي لك بالتوفيق.



اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر