من أغرب ما قرأت في الأيام الأخيرة، تعليقا على أحد المقالات التي كُتبت تحليلا لشريط زعيم تنظيم القاعدة أسامة بن لادن الأخير و الذي ما يزال لحد الساعة محل شد و جذب بسبب التساؤلات الكثيرة التي أثارها من لون لحية الرجل إلى حياته و قصوره الكلوي و هلم جرا..
التعليق محل الاستغراب كُتب على شكل تفسير لما ورد في هذا الخطاب من دعوة أميركا إلى الإسلام حيث اعتبره صاحبنا بمثابة 'إعلان حرب' على الولايات المتحدة على أساس أن الرسول الكريم كان يقوم بالشيء ذاته !!
كيف؟ يقول هذا المعلق: إن أسامة بن لادن يعلن الحرب على أميركا بهذا الشكل لأن الرسول صلى عليه و سلم كان يعلن الحرب على الدول المحيطة بجزيرة العرب وقتذاك مباشرة بعد أن يدعوها إلى الإسلام !!!
لن أتعرض إلى صحة هذا التفسير لكلام ابن لادن من عدمه إذ يفترض أصلا أن زعيم القاعدة في حرب على أميركا و ليس بحاجة إلى أن يستغل كل فرصة ليجدد إعلان حربه عليها على الرغم من أن 'حربه' هذه قتلت من المسلمين حتى الساعة، أضعافا مضاعفة من غيرهم و لكم فيما وقع بالجزائر قبل يومين خير مثال على ما أعنيه.
إلا أن ما أثار استغرابي في الواقع هو الشق الثاني من الاستشهاد و كيف تسنى للمعلق أن يربط الأمر بهذه السرعة الرهيبة.
طبعا أنتم تعرفون أن آخر غزوة قادها الرسول الكريم كانت غزوة تبوك فهل تعرفون سببها وقوعها؟ لقد وقعت بعد أن حاولت الروم تقويض بيضة الإسلام فأوعزت إلى حلفائها العرب الغساسنة بتجييش الجيش لأجل الزحف على المدينة المنورة و كسر شوكة الدين الجديد فهرقل القسطنطينية كان يدرك أن الأمر خطير و هو رجل بعيد النظر يعلم أن السكوت على هذا الدين الجديد سوف ينهي تأثيره و نفوذه فينهي سيطرة عملائه في منطقة الشرق الأوسط وقتذاك.. ياللتاريخ !! أولا ترون كيف يعيد نفسه؟
طيب، لقد تحرك الرسول الكريم في الاتجاه المعاكس فعلى الرغم من أن الظرف كان صعبا إلا أنه فداه أبي و أمي، كان محيطا بالمخاطر و فاهما للوضع الإقليمي إن صح التعبير إذ لا بد عليه أن يتحرك و يفاجئ الروم قبل أن يبدؤوا ما يخططون له لأن خير الدفاع الهجوم من جهة، ثم لأن المسلم لا يرضى أن يظل محاصرا متربصا أن يباغته العدو فالإمام علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- كان يقول: "ما غُزي قوم في عقر دارهم إلا ذُلّوا" و هذا أمر صحيح و قاعدة ذهبية في السياسة العسكرية فضلا على أن رسول الله –صلى الله عليه و سلم- قال بعد أن اندحرت الأحزاب في غزوة الخندق: "الآن نغزوهم و لا يغزوننا، نحن نسير إليهم" واضعا بالتالي، حدا لمرحلة الدفاع و معطيا إشارة تحول الإسلام إلى وضع القوة في جزيرة العرب.
هذا من الناحية التاريخية أمر محسوم و لا يختلف فيه العلماء و أصحاب السير فغزوة تبوك على الرغم من أنها لم تشهد قتالا حتى و إن كان جيش المسلمين الذي سار إليها (جيش العسرة) في وضع غير مطمئن بالمعنى العسكري المادي، إلا أن حنكة الرسول الكريم و تفوقه السياسي جعلها نصرا بلا قتال، لقد حققت المطلوب منها و هربت الفلول التي اجتمعت لأجل غزو المدينة المنورة و تأكد كل ذي شك في الجزيرة أنه لا فائدة من مناجزة الله فأقبلت الوفود تعلن إسلامها و الطاعة و سقطت باقي رايات الشرك أمام راية الدين العظيم.
ما أردت قوله بناء على ما ترون، يدور حول سؤال محدد: أين كانت مزاعم إعلان الحرب بعد الدعوة إلى الإسلام في كل ما فات؟ هل تستنتجون من هذا الكلام، أن الرسول -صلى الله عليه و سلم- كان يضمر الحرب حينما دعا الملوك إلى الدين الحنيف؟ و هل تحرك أصلا دفاعا عن بيضة الإسلام أم تراه تحرك لأجل توسيع رقعة الدين؟
إنها أسئلة موجزة و هي على ذلك، محيرة خصوصا هذا الأخير منها لأن الإجابة عنه سوف تسوقنا إلى الخوض في مجال خطير و هو ذاك المتعلق بالكيفية التي انتشر وفقها الذين الإسلامي.
الأمر بالنسبة إلى المستشرقين و متتبعي فجوات التاريخ لا خلاف فيه: لقد انتشر الدين الإسلامي بحد السيف و لم تسلم الناس و تتوسع رقعة الإسلام إلا بناء على حروب طاحنة و معارك شرسة خاضها المسلمون في بداية عهدهم و هم في ذلك، لا يبنون على معطيات قليلة إذ أن لهم في التاريخ الإسلامي شواهد كثيرة من كتابات أناس اعتقدوا أن دين الله هو شحذ السيف مباشرة بعد النطق بالشهادتين و النفير إلى ساحات القتال لمطاردة الناس حتى يسلموا أو يقتلوا !
و لكن، مهلا !!
إننا حينما ننشر فكرا من هذا الصنف فسنكون بلا شك قد أسدينا خدمة جليلة للمتربصين بسماحة الإسلام و رحابة تعاليمه فنحن ننساق وراء دعاواهم و نعتبر أن الشام مثلا ما كانت لتصير بلادا إسلامية لولا أن المسلمين بدؤوا بالحرب و استغلوا ضعف الروم و تضعضع دولتهم بسبب حروبهم ضد الفرس !
الواقع أن الإسلام دين عادل و هذا يعني أن المسلمين ما كانوا ليخوضوا حروبا استباقية –بالمعنى الحديث للكلمة- فهم ما قاتلوا إلا دفعا للظلم و صدا للعدوان و أما أكبر دليل على ذلك فوجود أهل الذمة بيننا إذ ما كان هؤلاء ليعيشوا لو أن الدين انتشر بالحروب و المعارك. لقد كان هؤلاء سيموتون حتما لو أن المسلمين الأوائل فكروا كصاحبنا و أعلنوا الحرب ضد كل مخالف مباشرة بعد دعوته للإسلام.
إن الأمر ليس لعبة أيها السادة، فتاريخ الأمة ليس ميدان فتاوى صبيانية تتقاذفها عقول متحجرة بليدة. إنه ميدان يتطلب التنقيح و الضبط العلمي الرصين و هذا يعني أنه من غير المسموح عقلا بل و شرعا أيضا، أن يساهم البعض في تشويه صورة الدين عير سَوْق استنتاجات خاطئة خصوصا و نحن نعيش أسوأ فترة من عمر أمتنا وسط هجمة ماكرة لا تنفعنا معها السذاجة و النظر إلى المعطيات بعمومية قاتلة !!
ليس من المقبول أن ندع الدعوة إلى دين الله بهذا الشكل العبثي فصورة الإسلام لا بد أن تظل ناصعة خالية من أي عيب و حينما يصير ابن لادن و من سار سيره، ممثلين لأمة المليار و ثلث المليار إنسان، ينوبون عنهم في الدعوة إلى الإسلام و قيمه الإنسانية الراقية عبر السيارات المفخخة و القنابل البشرية، فإننا بكل تأكيد نعيش ورطة بل و رِدّة أخلاقية كبرى إذ أن الأمر يشبه إلى حد بعيد وضع عبد الرحمن بن ملجم –قاتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب- على سبيل المثال، ناطقا باسم الأمة و فارسا من فرسانها المغاوير !
إنني شخصيا لا أقبل أن يمثلني هذا الصنف من الناس لأن دين الله ما بلغ الآفاق و انتشر في ربوع الأرض بفعل مجرمين لا يفرقون بين عدو و صديق، أو بين مقاتل و مسالم وديع و لا تقولوا لي أن أميركا لا تفرق بيننا لأنني سوف أجيبكم هنا: و هل باتت أميركا معيارا و نموذجا يحتذى حتى نستشهد بأفعالها؟
لقد كانت معركة الإسلام دوما معركة عقل و مثل عليا بل و جدال حسن بأدلة لا تقبل التشكيك و لاحظوا أن دين الله ما يزال يستقطب مع كل ما جرى و يجري، رموز الفكر الحر و العقل الباحث عن الحقيقة عبر العالم و أمامكم شهادات كثيرة لأناس قبلوا الإسلام لأنهم عرفوه قبل أن يعرفوا المسلمين فلا تخلطوا فضلا، بين خدمة الدين و خدمة الحسابات السياسية التي ليست صحيحة بالضرورة !
كتبها عبد الحق بوقلقول في 07:50 مساءً ::
احسنت واجدت وابدعت
كنت قد قرأت هذه المقالة الرائعة فى زاوية كتاب مكتوب .. وعلقت هناك ولم ارى تعليقى بعد .. وهذا لا يمنعنى بأي حال من الاحوال ان أشيد بهذه المقالة المتزنة والموضوعية ... اقول انه صار من النادر ان تجد صوتا عاقلا وسط جوقة الجنون تلك وفي خضم معاداتنا لامريكا نكاد نفني انفسنا ومستقبلنا بان نرهنه لشذاذ افاق امثال بن لادن وسواه ... يشكلون خطرا كبيرا لا على الاسلام والمسلمين فحسب بل وعلى الانسانية جمعاء .. اشكر لك من جديد هذه التحليل الموضوعي .
تحياتي
السيد عبد الحق .. احسنت ولافض فوك
اشد على يديك واحييك على هذه المقالة البارعة
فعلا بن لادن ليس المؤهل ليتحدث باسم الاسلام او المسلمين وما فعله وما اقترفته يداه قد اضر بالاسلام اضعاف مضاعفة ...
احييك ولا تلتفت او تروعك تلك الاصوات الجوفاء التى تشتم وتسب وتزبد وترعد .. فهى ليست سوى اصوات اليأس والخيبة ... فالغريق يتعلق بقشة وهؤلاء قد اغرقهم اليأس ومحقتهم الخيبات والهزائم حتى باتوا يرون خلاصهم فى امثال بن لادن .. ان تواجد المثقفين من امثالك سيدى هم من بيدهم قيادة الفكر وتصحيح المسيرة ...
ولن يكون بن لادن وغيره من هذه الاصنام ..هم المثال والرمز .. الا لمن اعمته الكراهية حتى لم يعد يرى اين يمشى واين يضع قدمه وهؤلاء لاقيمة لكلامهم ولا لاحكامهم ...
فسر يا سيدى على طريقك واعرف ان مهما تعالت الاصوات ضدك فانما هى دليل على الخواء وعلى الفراغ ..
دمت بخير
كلامك صحيح أخي عبدالحق لأن ما يجعجع به بوش هو هراء و لكن كل تصرفات و أفعال و أقوال بن لادن تحسب على المسلمين و هذا يضيف الى النقاط السلبية التي تشوه الدين الإسلامي في العالم كله وبالتالي تمثل خطرا عليه ..فمن هو بن لادن حتى جعل نفسه ناطقا بإسم المسلمين ..دعونا جميعا نحارب الفكر الوهابي المتطرف الذي يفرخ شواذا من أمثال بن لادن و الزرقاوي و غيرهم
أشكر كل من زار مدونتي و علق
أشكر أخي الكريم Mr H و أشد على يديك لكي تواصل مسيرة التنوير فواقع الأمة يتطلب منا كل الجد و لا يحتمل أي مزيد من البلادة و الحمق
حياك الله أخي 'المجهول'، لقد سعدت بمرورك و تشجيعك فلاتحرمنا من الزيارة و الملاحظة إذ إن: "المؤمن مرآة أخيه".
أختي الكريمة و الصديقة العزيزة 'موالية عربية': أشكر لك تشجيعك و أعتذر عن التقصير في التواصل فلا حرمنا الله من دعواتك و نصائحك
مبارك عليكم الشهر جميعا و وفقنا الله و إياكم، إلى ما يحب و يرضى
أخي عبدالحق , السلام عليكم و رحمة الله ,
كنت سباقا في كتابة هذا الموضوع تبعك الآن شيوخ السلفيه أنفسهم فقد أعترفوا بخطر بن لادن و هذا شيخ سليمان العودة يؤكد كلامك
============================
سلمان العودة: اللهم إننا نبرأ إليك مما يصنع أسامة بن لادن
أثارت الرسالة التي انتقد فيها الداعية السعودي المعروف سلمان العودة مواقف وتصرفات القاعدة بزعامة أسامة بن لادن ردود فعل متفاوتة بين مؤيد ومعارض لها في أوساط إسلامية عديدة؛ حيث رأت بعض المواقع الأصولية المتعاطفة أو المؤيدة لابن لادن في رسالة العودة خروجا عن "حيادتيه" التي اتخذها سابقا، باعتباره غير محسوب على "المؤسسة الدينية الرسمية" في السعودية، بينما رأت مواقع أخرى توصف بالمعتدلة أن العودة تأخر في اتخاذ موقفه الذي بات يحسب له في معارضته لـ"الإرهاب" و"الإساءة إلى صورة الإسلام والمسلمين".
وكان د. سلمان العودة هاجم في برنامج "حجر الزواية"؛ الذي يبث على قناة mbc يوميا في شهر رمضان أسامة بن لادن سائلا إياه: "ماذا جنينا من تدمير شعب بأكمله كما جري في العراق وأفغانستان؟ بل وجرّت هذه الحروب إلى حروب أهلية أخرى تنذر بالشؤم والهلاك على هذه الدول وما جاورها، من المستفيد من محاولة تحويل المغرب والجزائر والسعودية وغيرها إلى بلاد خائفة لا يأمن فيها المرء على نفسه"؟. وأكد العودة لابن لادن أن أصوات "العلماء والدعاة والمخلصين المشفقين" تعلن "اللهم إننا نبرأ إليك مما يصنع أسامة". وقال العودة في رسالته التي تزامنت مع مرور 6 سنوات على أحداث 11 سبتمبر "أخي أسامه، إن ما جرى في 11 أيلول كانت نتيجته قتل بضعة آلاف من البشر، بينما تجد دعاة مغمورين قد لا يعرفهم كثير من الناس هدى الله على أيديهم عشرات بل مئات الآلاف الذين اهتدوا إلى الإسلام واستناروا بنوره". وتساءل العودة في رسالته التي تعتبر الأولى من نوعها لابن لادن "هل هناك تصميم على الوصول إلى الحكم ولو على جثث الآلاف المؤلفة من المسلمين؟ من المسؤول عن تنشيط أفكار التكفير والقتل حتى تفشت بين الأسرة الواحدة وأدت إلى القطيعة والعقوق والتفكك؟ من المسؤول عن شباب ذهبوا للقتال وتركوا خلفهم أمهات مكلومات و زوجات حزينات، وأطفالا يتامى ينتظرون بذهول عودة أبيهم؟ من المسؤول عن ملاحقة العمل الخيري والشك في كل مشروع إسلامي، ومطاردة الدعاة في كل مكان بتهمة العنف والإرهاب؟ ومن المسؤول عن اكتظاظ السجون بالشباب، حتى أصبحت هذه السجون مفرخة لموجة جديدة من التكفير والغلو والعنف والتطرف؟". وأبدى العودة أسفه لصورة المسلمين السيئة في أعين الآخرين بسبب تلك الأحداث، قائلا "إن صورة الإسلام اليوم ليست في أفضل حالاتها، لقد تحدّث الناس في العالم أن المسلمين يقتلون من لا يدين بدينهم، وتحدثوا أن السلفية تقتل من لا يدينون بها من المسلمين. أخي أسامة لقد ترك النبي عليه الصلاة السلام قتل المنافقين الذين نزل خبرهم في القرآن، خشية أن يقول الناس: إن محمدا يقتل أصحابه". وختم العودة حديثه متسائلا أيضا "ألا يسعك ما وسع محمدًا صلى الله عليه وسلم المبعوث رحمة للعالمين، أين الرحمة في قاموس الحرب والتفجير والقتل والتدمير واستهداف الأبرياء من عوام المسلمين؟ هل اختصرنا الإسلام في رصاصة أو بندقية؟ وهل صارت الوسيلة هي الغاية؟".
للأسف تحليل خاطء
الاسم: عبد الحق بوقلقول

