الصحفي عبد الحق بوقلقول

الإثنين,تشرين الأول 22, 2007


بعد عودتها من منفى استمر 8 سنوات، وجدت السيدة بي نظير بوتو في استقبالها في مدينة كراتشي كبرى مدن باكستان، انتحاريا وسط جموع الذين جاءوا لتهنئتها بالعودة و بشكل أفسد عليها مظهر المرأة المنتصرة بعد أن بدا واضحا لكل المتابعين أن معظم الإعلام الغربي هلل لهذه العودة و اعتبرها قفزة نحو الديمقراطية رغم أنها في الواقع عكس ذلك بمعنى أنها كانت نتيجة صفقة سياسية عقدتها هذه المرأة مع النظام العسكري في إسلام آباد لأجل تقاسم السلطة بدعوى اعتراض سبيل الأصوليين.
الواقع أن هذا التفصيل غير مهم كثيرا فالعلمانيون في النخب السياسية الشرقية تعودوا منذ البداية أن يتحالفوا مع قوى التسلط لأنها السبيل الوحيد لأجل بقائهم في الصورة فهم مع زعمهم أنهم حماة الديمقراطية و 'شهداؤها' إلا أنهم مع ذلك أول من يسطو عليها و يرفض الانصياع لنتائجها و لقد عرف التاريخ الحديث للأمة نماذج أكثر من أن تعد من هذا الشكل ففي تركيا مثلا و في أكثر من مرة، تحالف العلمانيون مع الجيش ضد إرادة الناخبين الأتراك قبل أن تفتضح أحجامهم الحقيقية في آخر انتخابات إلا أنه و مع ذلك، لا شيء ينفي أنهم حاليا يعدون العدة للسطو على أول سانحة قد تمنحهم فرصة العودة إلى شغل مناصب لن يبلغوها بغير سطوة أصحاب البزة، مرورا أيضا بمصر التي يبدي العلمانيون فيها الاستعداد للتحالف حتى مع الشيطان إذا ما كان الهدف منع وصول الأخوان، وصولا إلى فلسطين حيث أعلن ثوار الأمس و يساريو عقد السبعينيات تحالفهم مع 'الإمبريالية' بل و الصهيونية أيضا بما أن الهدف هو البقاء في حكم زحزحتهم عنه حركة إسلامية مقاومة بعد أن لم يصيروا أهلا له و لا قادرين على تحمل تبعاته.. و أخيرا و ليس آخرا، إلى باكستان التي تتحالف فيها زعيمة الديمقراطيين و 'الحداثيين' و ملهمة 'التحررين' مع جنرال فقد كل شيء حتى حلفاءه (أسياده بالأحرى) الذين خدمهم بإخلاص قلما خدم به بلاده نفسها!!
لقد عادت بوتو و على الرغم من أنها لم تصب في شخصها مثلما كان مخططو التفجير يأملون، إلا أن 136 إنسانا قتل في هذه الواقعة الدامية أغلبهم من مناصريها في حزب الشعب الباكستاني (الـPPP اختصارا) بمن فيهم نحو خمسين من أفراد الشرطة الذين جندوا لأجل حماية مهرجان حزبها و لم تتبنى أية جهة العملية حتى الساعة.
هذا الهجوم يعتبره المراقبون الأسوأ من نوعه في تاريخ البلاد و بديهي هنا أن حكومة إسلام آباد المسنودة أميركا، أدانت الهجوم و اعتبرته مثلما قالت وكالات الأنباء على لسان برويز مشرف، هجوما على الديمقراطية و محاولة لزعزعتها خصوصا و أن البلاد ملأى بالتنظيمات التي جرت العادة على إدانتها كطالبان باكستان أو تنظيم القاعدة بكل بساطة!
صحيح أن هذه البلاد شهدت خلال الأسابيع الماضية، كما تجزم بذلك مصادر إعلامية عديدة، دعوات صريحة إلى استهداف بوتو التي حظيت بتأييد من إدارة الرئيس بوش حينما دعت إلى ضرورة تشديد الخناق الأمني على مناطق القبائل المحاذية لأفغانستان العصية على سيطرة حكومة إسلام آباد التي يقودها الجنرال مشرف منذ استيلائه على السلطة إثر انقلابه على رئيس الوزراء السابق نواز شريف في العام 1999، إلا أنه لا شيء يدل على تورط الإسلاميين في ذلك لأن هؤلاء ليسوا اللاعبين الوحيدين على الساحة فهنالك عشرات الجهات التي تستفيد من الفوضى فلماذا يلجأ الإسلاميون إلى خلط الأوراق و هم يعلمون أن غالبية الناخبين معهم على بعد أسابيع قليلة من الانتخابات النيابية؟
ثم إن اللافت للإنتباه أن بوتو و في ندوتها الصحفية التي عقدتها يوم الجمعة حاولت لعب دور المعارضة و بشكل يناقض طريقة عودتها أصلا إلى البلاد حيث قالت أن الحكومة مسئولة عما وقف في كراتشي و أن: "الإسلاميين ربما مستفيدون من ذلك أيضا" إلا أنها مع ذلك أصرت على أن الهجوم نفذته جهات من الحكومة و خطط له أناس "يستغلون مناصبهم" قبل أن تضيف أنها قد أرسلت مؤخرا رسالة إلى مشرف فيها لائحة بأسماء أفراد حكوميين و أمنيين "يتآمرون ضدها"!!
و هي نفسها قالت قبل فترة في حوار لها مع مجلة باري ماتش الفرنسية: "أنا أعرف بالضبط من يحاولون قتلي: إنهم وجهاء النظام السابق للجنرال محمد ضياء الحق الذين يقفون اليوم وراء المتطرفين و المتشددين" و الظاهر أن هذه المرأة ما تزال حانقة فالجنرال ضياء الحق هذا هو من أسقط والدها 'ذو الفقار علي بوتو' عن الحكم في انقلاب خلال العام 1977 قبل أن يعدمه شنقا بعد ذلك بقليل ليصير حليفا لأميركا هو أيضا في حربها و دعمها للأفغان خلال ثمانينيات القرن الماضي حتى مقتله في حادث طائرة غامض في العام 1988.
و المثير في تصريحات بوتو و هو ما يكشف من ناحية أخرى أيضا تحالفها العلني مع مشرف، حرصها على عدم إدانة  هذا الأخير و لا حتى التشكيك فيه و في مقربيه من أعلى هرم القيادة العسكرية على عكس ما فعله زوجها آصف علي زرداري في تصريحاته التي أطلقها من مقر إقامته في دبي لمراسل محطة جيو :"إنني أدين الحكومة" ثم يضيف: "أعتقد أن حزب الشعب ملزم بإعادة التفكير مجددا في طريقة تعاطيه مع نظام مشرف"!
هنالك أيضا تفصيل قد يفيد هذا المعنى فبوتو مثلا قالت أن حراسها الأمنيين لاحظوا بأن الإنارة على طول الطريق المؤدية إلى ضريح مؤسس باكستان محمد علي جناح، كانت غائبة إلى درجة أن الحراس وجدوا صعوبة كبرى في تحديد تحرك المحتشدين و عجزوا بالتالي عن تمييز 'الانتحاريين' من بينهم إذ و على عكس بيان وزير داخلية إقليم السند غلام محترم الذي قال أن التفجير سبّبه انتحاري وحيد، جزم بيان حزب الشعب بأن الهجوم نفذه أربعة انتحاريون، علاوة على أن جريدة 'داون' الباكستانية أوردت تصريحات أدلى بها شهود عيان نجوا من التفجير و قالوا أن الحادثة انطلقت من "سيارة شرطة" مما جعل مناصري بوتو يصبون جام غضبهم على قوات الأمن إلا أن مصادر إخبارية أخرى قالت بأن تلك السيارة إنما كانت تحاول اعتراض سبيل الانتحاري الذي كان يقصد سيارة بوتو المدرعة مما جعل سيارة الشرطة تبدو السبب في الحادثة !
على أية حال، يعتقد أكثر المتابعين أنه من المستعبد هنا أن تكون جهات مرتبطة بنظام مشرف وراء العملية لأن هذا النظام أصلا إنما لجأ إلى التحالف مع بوتو لأجل ضمان حد أدنى من التواجد الجماهيري بعد أن أفقدته الأجندة الأميركية كل مصداقية رغم أنه خرج لتوه منتصرا من انتخاب رئاسي يمنحه سنوات أخرى من 'الشرعية'.
على حسب المحلل السياسي الفرنسي بيير روسلان فإن بوتو إنما عادت إلى باكستان لأجل توفير حد أدنى من الاستقرار في بلد يوشك أن ينزلق نحو الفوضى العارمة و لكن الأمر مع ذلك أيضا لا يبدو متوقفا عند هذا الحد خصوصا إذا ما تذكرنا مفهوم 'الفوضى الخلاقة' المبتكر أميركيا بحيث يمكن لأجل دحض ذلك القول أن أميركا قد تكون وراء ما يجري في المنطقة تمهيدا لتدخل مباشر من قبلها لأن كل المطلعين على مجريات هذه الحرب على 'الإرهاب' يعلمون أن باكستان تمثل بالنسبة لأميركا القطعة الأهم من رقعة الشطرنج بمعنى أن سقوط إسلام آباد في يد القاعدة يعني بلا خلاف، انهيار كل ما بنته و تبنيه الولايات المتحدة بالتوازي مع انهيار مخططاتها في العراق و انكسار شوكة حلفائها في أفغانستان إلى درجة أن مصادر أميركية جزمت قبل فترة أنه من الممكن حتى أن تصل الأمور إلى حد قيام الطيران الأميركي باستهداف السلاح الاستراتيجي في باكستان علاوة على أن دراسات كثيرة خرجت في واشنطن لدى مؤسسات الثينك تانكس و فيها سيناريوهات تجهد في سبيل رسم عمل عسكري وشيك !
من هنا فإن عودة بوتو التي جرى العمل لأجل أن تكون 'بالون أكسجين' في غرفة نظام مشرف المختنقة، باتت تنذر هي الأخرى بالتحول من حل و جزء من العلاج، إلى جزء من المشكلة و طرف جديد في الصراع بل و حطب جديد على النار الملتهبة فلا أحد من متابعي الشأن الباكستاني ينكر ما لهذه المرأة من أثر في الأوساط الشعبية بإقليم السند و ليس أدل على ذلك مما قاله أحد أنصارها لمراسل أسبوعية الأوبزرفر اللندنية لهذا الأحد بعد أن فقد أخا له جراء التفجير الأخير: "إنني مستعد للتضحية بعشرة أشقاء آخرين لأجل بوتو" !!
شعبية بوتو بالتالي تقف مباشرة في وجه شعبية الإسلاميين و المحافظين في باقي الأقاليم أو على وجه الدقة، في إقليم القبائل المحاذي لأفغانستان و في هذا الصدد يقول السياسي زعيم حزب 'طريق الإنصاف' المعارض، و بطل العالم سابقا في رياضة الكريكت، عمران خان: "إنّ عودةَ أول امرأة تولت منصب رئاسة الحكومة في التاريخ الإسلامي الحديث إلى باكستان يأتي تحت ظل حالة من الاقتتال المشتعل في مناطق العشائر المجاورة لأفغانستان حيث تشن القوات الحكومية تحت ضغط من واشنطن، عمليات عسكرية كبيرة تقول أنها تسعى من خلالها إلى محاصرة نمو ظاهرة 'طلبنة' القبائل هناك و لقد أدى هذا القصف الجنوني إلى نزوح أعداد كبيرة من القرويين الذين يرغبون في الأمان بسبب احتدام القتال" أما مكمن الخطر في هذا كله فإن عمران يوجزه بقوله: "إن طبيعة و أخلاقيات الثأر عند هؤلاء تقتضي الانتقام لكل مقتول من بينهم بعشرة أفراد من الجيش الباكستاني" !
هنا يكمن الإشكال فحينما ننظر إلى خارطة البلاد نلحظ أن إقليم السند الذي سوف نسلم جدلا بأن حزب بوتو يسيطر عليه، يقع مباشرة بمحاذاة إقليم القبائل هذا و ليس هذا كل ما في الأمر إذ أن هنالك أيضا إقليم بلوشستان المحاذي لإيران و ما يعيشه هذا الإقليم من تحركات انفصالية عرقية توشك أن تخلط الأوراق بشكل أكثر تعقيدا مما هو عليه الحال الآن و لذلك ففي وسعنا أن نفهم هنا لماذا تصر بوتو على زيارة إقليم البنجاب لأن هذا الأخير سوف يكون له دور المرجح الذي يضمن لحزبها الفوز بالاستحقاق التشريعي القادم رغم أن هذا الإقليم أيضا ليس مضمونا لأنه على أقل تقدير يضم أنصار رئيس المحكمة افتخار تشودري و كبار الإقطاعيين من طبقة باكستان 'الأرستقراطية' و المتوقع أن هؤلاء لن يسمحوا بتسلم حزب الشعب و زعيمته زمام الأمور في إقليمهم بمعنى أنه من الممكن أيضا أن تحتدم الصراعات هناك لتصل حد التصادم في الشارع و لكنها من ناحية أخرى أيضا، سوف تضمن لمن يتمكن من فرض سيطرته،  مستقبل باكستان و حسابات التفاضل و التكامل السياسيين فيها خلال السنوات القادمة.
من الثابت تأريخيا في الأخير، أن مشكلة باكستان ظلت منذ أيام الحرب الباردة تكمن في موقعها غير المريح فهي تقع مباشرة في 'خط النار' بين الولايات المتحدة و أعدائها فقبل سنوات كانت هذا الدولة الإسلامية النووية الوحيدة، تمثل مضخة لأميركا في حربها ضد الاتحاد السوفييتي في أفغانستان و هي اليوم، قاعدة عسكرية متقدمة على رقعة الحرب ضد ما تعتبره أميركا 'تهديدا إرهابيا' و في أفغانستان أيضا و بالتالي فإن واشنطن في هذا الصدد، تنفق ملايير الدولارات و ترسل بمئات الأطنان من الذخيرة و السلاح لأجل دعم نظام إسلام آباد الذي يلعب في المقابل دور 'المتعاقد' في الدفاع عن المصالح الحيوية للولايات المتحدة و لا بأس في ذلك أن يأخذ المتسلطون هناك كامل حريتهم في العبث بمقدرات الشعب و مصيره إذ و على الرغم من أن باكستان تعيش منذ قيامها في 1947، نظاما ديمقراطيا صوريا إلا أن ما جرى دليل إضافي على أن الديمقراطية التي تدعي بوتو الدفاع عنها، هي أول ضحايا هذه الصفقة الصريحة مع نظام مترهل فقد كل أثر له في الشارع و بالتحالف أيضا مع نخب سياسية متواطئة 'متدمقرطة' لا تتورع عن الدخول في صفقات مع الشيطان بهدف ضمان مصالح سياسية واهية تحت أنظار مجتمع دولي لا يستحق حتى الإشارة إليه بدليل أن العالم كله تفرج و لم يحرك بنت شفة و هو يرى نواز شريف مطرودا و مجبرا على الخروج بعد ساعات قليلة من عودته، في مقابل طبخة سياسية تفوح منها روائح المؤامرة و العمالة فبأية ديمقراطية تتبجحين علينا يا 'بنت الشرق'(1)؟ !

--------------------------------

(1) عنوان مذكرات بي نظير بوتو الشخصية التي أصدرتها خلال العام 1989 عن منشورات هاميش هاميلتون  البريطانية.



في26,تشرين الأول,2007  -  04:37 مساءً, سليمة جزائري كتبها ...

بي نظير بوتو ... لم تخطر ببالي العلاقة بين هذه و أولئك
شكرا على هذا الموضوع
تحياتي

في02,تشرين الثاني,2007  -  07:07 مساءً, شيعية وأفتخر و اللي مو عاجبه ينتحر كتبها ...

أخي عبدالحق
تحليل رائع , سلمت يداك
كلهم يلعبون لعبة واحده هدفها إشاعة الفوضى في المنطقة من أجل حماية المصالح الأمريكية و أهمها البترول
تحياتي لك

في09,كانون الأول,2007  -  01:37 مساءً, يوسف الحساس كتبها ...

أمل ان تكون بخير