من حق كل واحد حاليا أن يكون له موقف من حركة المقاومة الإسلامية حماس و طريقة تسييرها للوضع و قيادتها للممانعة فهي أولا و أخيرا، حصيلة جهد بشري يسعى إلى استخلاص وسائل حراك من رصيد تاريخ نضالي تراكمي تراوح بين المقاومة المسلحة إلى المقاومة السياسية و بالتالي، فإن سجل هذه الحركة ليس مثاليا بكل تأكيد فهي أيضا ارتكبت الأخطاء و تجاوزت الحدود في أحايين كثيرة إلى حد أنها صارت مؤخرا وفقا لما تبينه التقارير، محل صراع أجنحة حقيقي بين صقور و حمائم و تتعدد الأفكار وسطها لتتوزع عبر طيف سياسي قد يدنو من حد الغرابة خاصة و أنها حركة لا تبدو عليها مركزية القرار لأنها تعيش ’تجاذبات‘ واضحة في أعلى هرم القيادة منذ اغتيال مؤسسها الشيخ أحمد ياسين ثم خليفته الدكتور الرنتيسي –عليهما رحمة الله- ربيع العام 2004 و لقد كانت الضربتان مكلفتين بشكل كبير جدا لأنه و خلافا لما هو باد، ما تزال قيادة الحركة حتى الساعة بعيدة عن احتوائهما حتى أن قوة الخطاب و هجوميته بين قيادات الداخل و الخارج، يبدو شاسعا فضلا على أنه لا مجال للمقارنة أيضا بين خطابي القيادات في قطاع غزة و الضفة الغربية.
من هذا المنطلق، في وسع المتابع أن يلوم حماس على عدم تمكنها من الإمساك بكل خيوط اللعبة لأنها لم تستطع أن تدير لعبة السياسة بالتوازي مع مبدأ المقاومة بشكل جيد خصوصا منذ دخلت الانتخابات التشريعية و فازت فيها بأغلبية الأصوات مما منحها الحق الشرعي في تشكيل الحكومة و لأنها قبلت هذا الرهان و تحملت مسئوليته، فلقد كان حريا بها أن تدرك أنها تقود حكومة في ظل الاحتلال و أن تحركها سوف يكون مضبوطا بسقف اتفاقات أوسلو حتى و إن ظلت مصرة على عدم الاعتراف بتلك البنود لأن الاعتراف هنا أو عدمه، لا يكفي و لا بد من أن تكون الجهة التي تشكل الحكومة مدركة لما يعنيه قرارها من التزامات تفرضها الواقعية السياسية على أي حال.
وفق هذا الكلام نستطيع القول أن قرار حماس في شهر حزيران/يونيو الماضي، حسم الأزمة الأمنية الخطيرة في القطاع مع أنه خيار يبدو من الناحية الأمنية البحتة، معقولا و مبررا و لكنه أيضا من زاوية السياسة قرار خطير هيأ للذين عارضوا مبدأ تولي الحركة المسئولية التنفيذية فرصة لا تعوض استثمروها في تصعيد خطاب شيطنة حماس و دفعها نحو أضيق الهوامش معتبرين ما جرى في القطاع ’إنقلابا‘ على الشرعية و ما إلى ذلك من أوصاف مشينة مع أنه غير ممكن قانونيا اعتماد هذا التوصيف لأن حماس أصلا انطلقت من مسئولية أنها تقود الحكومة الشرعية فكيف يمكن القول أن الأمر انقلاب إذن ما دام المنقلب و المنقلب عليه في هذه الحالة واحد أو على حد تعبير الصحفي البريطاني المخضرم روبرت فيسك: كيف نتعامل مع انقلاب قادته حكومة منتخبة؟
الخطأ الذي وقعت فيه حماس يتعلق تحديدا بإساءتها تقدير عواقب تحركها الأمني لأنه يفترض بالذين يقررون سلوك هذا الصنف من الحلول، تقدير كل الحيثيات و دراسة كامل الاحتمالات و لست هنا بوارد التغاضي عما جرى خلال ذلك لأن التقارير متضاربة و لا يستطيع المتابع هنا أن يكون دقيقا حينما يبرئ جهة و يتهم أخرى بشكل مطلق، إلا أنه من الطبيعي جدا القول أنه كان من الأجدر بحماس أن تعمل على استيعاب تلك المظاهر غير السوية في القطاع و تجهد في سبيل التوصل إلى حل لها بالشراكة مع الفتحاويين لأن هذه الحركة برغم تغلغل الفاسدين فيها و باعتراف مسئوليها، لا تخلو من المخلصين و أصحاب الماضي المشرف في النضال و المقاومة فهل كان من المعقول مثلا أن يتخلف شخص في مستوى فاروق القدومي عن التحرك لو أنه منح سلطة وساطة جدية و هامش وقت كاف لأجل رأب الصدع و تقريب وجهات النظر بين رام الله و غزة؟
هذا الكلام لا يعني في المقابل أن الذين يقفون على الطرف الآخر أبرياء و ملائكة كرام فهؤلاء أيضا لم يدخروا جهدا في سبيل العودة إلى السلطة باعتماد كل السبل و إن كانت حماس قد تسرعت في قرارها فإن الذين حاربتهم تسرعوا هم كذلك في القبول بمخطط الجنرال دايتون الذي كان يمنّيهم بتسريع التفاوض و استئناف السلام و التفرغ لمسائل الحل النهائي، بمجرد أن يتخلص الفلسطينيون من حركة حماس التي أوجد واقع قيادتها للحكومة، وضعا سياسيا لا يمكن أن تتحرك الولايات المتحدة خلاله وجودها و لا يستطيع الغربيون لذات السبب أيضا، أن يفعلوا شيئا لأنهم ببساطة يعتبرونها منظمة ’إرهابية‘ تجرم القوانين عندهم التواصل معها بأي شكل من الأشكال.
كان من الطبيعي إذن و قد سارت الأمور على هذا النحو أن تبلغ الأوضاع هذا الوضع الكارثي الذي لا خلاف في أنه يمثل واحدة من أسوأ صور مراحل المأساة الفلسطينية منذ بدايتها في ظل وضع عربي مشلول و غير قادر على فعل أي شيء حتى و لو اجتمع القادة العرب عن بكرة أبيهم و لبثوا يتبادلون المقترحات فيما بينهم أسابيع طويلة لأن الواقع يشرح مع الأسف، أن العرب ما عادوا قادرين على التأثير بسبب أنهم تنازلوا إلى حد لم يعودوا معه يملكون شيئا يتنازلون عنه !!
أما و لقد اضطر الشعب المصري قيادته السياسية إلى أن تتجاوب مع مطالبه و وقف وقفة شجاعة حصرت خيارات السياسيين في القاهرة إلى حدودها الدنيا خصوصا بعد أن أكمل الفلسطينيون من الجانب الآخر نصف المهمة وخرقوا جدار الحدود في رفح، فإن الوضع بالشكل الحالي يعني أن القيادة المصرية صارت في موضع قوة يمكنها من تحمل مسئوليتها كاملة دونما خوف من التصعيد الأميركي مما يعني قدرتها على فك أسر شعب مضطهد اجتمع عليه إجرام الاحتلال مع تواطؤ دولي مفضوح يصر على مقارنة مقاومة بسيطة بصواريخ محدودة مع جيش مدجج بترسانة أسلحة تتراوح بين التقليدي و المحظور.
لذلك فإن الوضع حاليا لا بد أن ينظر إليها من زاوية أخرى ملخصها أن القيادة المصرية تمكنت بشكل غير مسبوق أن تعيد ترتيب أوراق مهمة و تستند على دعم شعبي قوي لترسل رسائل واضحة إلى واشنطن التي تملك 110 بالمائة من أوراق اللعبة خصوصا و أن في هذه الأخيرة من يحرص على أن يذكر المصريين في كل مرة بما (تمنه) الخزانة الفيدرالية هناك عليهم لكأن مصر هي فقط الملزمة بالسلام مقابل إطلاق يد الإسرائيليين ليعبثوا كيفما شاءوا.
بالتالي فمن الأخلاقي هنا الاعتراف بأن الموقف المصري هو موقف شجاع و مسئول أما المطلوب حاليا فموقف عربي يسند موقف القاهرة و يجنبها ضغوطا في الوسع جعلها تافهة إذ يتعين على الإدارة الأميركية أيضا أن تدرك أن السلام الذي التزم العرب به ليس هروبا من المسئولية بل هو خيار حيوي (حتى و لو لم يكن فهم القادة العرب له بهذا الشكل) و هذا هو صلب ما لوح به الرئيس مبارك في خطابه الأخير حينما تحدث عن عدم استعداد بلاده للسكوت عن هذا الوضع!!
إنها تطورات غاية في الحساسية و بما أن القاهرة ألحقتها بدعوة صريحة إلى لقاء ترعاه بين ’الأخوة الأعداء‘ فإن المطلوب إذن أن تثبت حماس أن قراراتها المصيرية بيدها مما يعني أنه ملزمة لوحدها بتحمل الشطر الأكبر من المسئولية و تتجرع كأس السم فالإجرام الإسرائيلي معروف و تواطؤ بعض الفلسطينيين معه موثوق و مشهود خاصة و أن الرئيس عباس قد أظهر عبر هذا الكلام الأخير الذي قاله أنه لا يملك قراره و لا يستطيع التخلص من تأثير الأميركيين و المتأمركين من حوله إلا إذا ما مُنح ورقة جديدة تعيد له توازنه و نقاط القوة في موقعه.
لقد أعلنت مصر استعدادها للوساطة الحيادية و هذا تطور يحسب لها و بالتالي فإن على حركة حماس في غزة أن تتخذ قرارها التاريخي و تعلن استقالة حكومتها و دعوتها الرئيس عباس لأن يعيد تشكيل مؤسسات السلطة في القطاع بالشكل الذي يرغب مع التعهد أيضا بتنظيم انتخابات تشريعية مسبقة تعيد ترتيب الأوراق و تذهب عن الحمساويين وهم السلطة إلى جانب أنها ستكون كفيلة بأن تفوت على السياسيين في إسرائيل و أميركا على السواء، فرصة تلطيف أوضاعهم الانتخابية أمام الرأي العام عندهم على حساب الدماء الفلسطينية التي باتت أرخص من برميل النفط العربي.
مطلوب من حماس أن تستند إلى شرعيتها النضالية و تقدم على خطوة عملاقة في مستوى تضحيات أبنائها تفاديا لتضحيات المزيد منهم لأن العرب الذين ناشدهم خالد مشعل لا يملكون أن يحققوا له شيئا ملموسا في ظل هذا الانقسام الفلسطيني العميق فلماذا تكون حماس قادرة على التهدئة مع الإسرائيليين و لا تكون قادرة على الرضوخ لشروط و لو كانت قاسية من الفلسطينيين و العرب؟ أليس العفو عند الكرام شيمة أم تراها لا تعلم أن الإسرائيليين لا يفرقون بين أبنائها في كتائب القسام و أبناء فتح في شهداء الأقصى؟
إن إسرائيل حاليا تنتظر نتائج تقرير لجنة فينوغراد الذي سيكشف عنه بعد ساعات قليلة من كتابة هذه الأسطر و كل المراقبين يجمعون على أن مستقبل أولمرت السياسي محكوم بما سوف يقدم عليه بعد ذلك و بالتالي، فإن هذا المتعجرف سوف يسعى بلا شك إلى جعل القطاع كبش فداء يقدمه إلى محرقة الرأي العام الإسرائيلي عساه يستعيد بعضا من النقاط الكثيرة التي فقدها نتيجة مغامرته في لبنان صيف العام 2006 فضلا على أن غزة مع الأسف، في وضع مكشوف و أما الزعماء العرب فلقد ظهرت على أكثرهم ملامح الرضا بالمشروع الأميركي فهل سيكون من الحكمة هنا السماح بتطور الأمور في هذا الاتجاه؟
صحيح أن تراجع حماس قد يلتقطه بعض أصحاب الأقلام من الذين يجتهدون هذه الأيام في تبرير الإجرام الإسرائيلي و يرعبون مصر من مخططات توطين وهمية جديدة بمعنى أن تراجع الحركة قد يعتبر ضعفا منها و إقرارا بالفشل و لكن هذا الكلام لا يعني شيئا في حركة التاريخ و خط سير المقاومة فضلا على أنها خطوة لن تكون بأي حال من الأحوال، أكثر إيلاما من أن نرى مزيدا من البؤس و الظلم المقنن على مرأى و مسمع من العالم كله فيا ليت حماس تقرر اختيار الحل الشجاع و تدع الحكم للتاريخ لأن هذا الأخير سيحكم بكل تأكيد في النهاية على قدر الإخلاص و سيشهد حتما ذات يوم لصالح من أخفض جناحه لشركائه فيما تبقى من الوطن خاصة و أن الحرب وسط هذا كله، كر و فر!!
كتبها عبد الحق بوقلقول في 08:33 صباحاً ::
الاسم: عبد الحق بوقلقول

